المنصة
تصميم: يوسف أيمن

حدود ساخنة: تفاصيل الاتفاق التركي الليبي لتقاسم كعكة المتوسط

منشور السبت 1 فبراير 2020

تكشف مجموعة من الوثائق الخاصة التي حصلت عليها المنصة، الخرائط الواردة في الاتفاق بين تركيا وحكومة طرابلس الليبية، المعترف بها دوليًا، لإعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وكذلك الإحداثيات الجغرافية والخرائط الخاصة بالمناطق الاقتصادية لدول شرق المتوسط، والتي استطاعت من خلالها أنقرة الالتفاف على الاتفاقات السابقة التي وقّعتها مصر مع قبرص، بالإضافة للتفاهمات المصرية مع اليونان وإسرائيل حول حدودها البحرية، وهي التغييرات التي قد تضطر قبرص لإعادة صياغة اتفاقياتها الحدودية مع إسرائيل ولبنان.

بجانب هذا الكشف الذي حصلنا على وثائقه بإذن كتابي من موقع نورديك مونيتور، وهي شبكة يشرف عليها صحفيون متخصصون وخبراء أمن؛ نشرح في التقرير التالي طريقة تركيا في فرض نفسها على الاتفاقات التي أبرمتها مصر وقبرص واليونان، وما هي الظروف السياسية والجغرافية التي تسببت في حرمانها من كعكة غاز شرق المتوسط، كل ذلك مدعومًا بالخرائط والتصريحات الخاصة من سياسي قبرصي وعضو بالبرلمان الأوروبي وأكاديميين أتراك متخصصين في شؤون الطاقة والقانون الدولي، بجانب تحليلات من مراكز بحثية غربية ذات ثقل أكاديمي، غير منشورة باللغة العربية.

مصطلحات لازمة

أولاً، وقبل استعراض مذكرة التفاهم الليبية- التركية، سنُلخص بعض المفاهيم البحرية نظرًا لتكرارها فيما بعد، ونظرًا لأن الخلاف على هذه المصطلحات هو ما تسبب في اختلاف التفسيرات التي يستند عليها كل طرف لدعم حقه في المياه المليئة بحقول الغاز:

  • حتى منتصف القرن الماضي كانت الدول تمدّ سيادتها أو "الولاية القضائية" على مياه البحر لمسافة 3 أميال بحرية. لكن مع إعلان اتفاقية جنيف عام 1958 الخاصة بتحديد المياه الإقليمية والمنطقة المجاورة؛ بدأت الدول تفرض سيطرتها على مياه البحار إلى 12 ميلًا بحريًا. ومع خروج اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982؛ تم الاعتراف بمفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة، وتُعرف اختصارُا بـ EEZ، وهنا ظهر مصطلح الجرف القاري الذي سيثير المتاعب بين تركيا من جانب، وباقي الدول المطلة على البحر المتوسط من جانب آخر.  
  • عَرّفت الاتفاقية الأممية المنطقة الاقتصادية الخالصة بأنها "تسمح للدولة بممارسة الولاية القضائية لمسافة 200 ميل بحري، تُقاس من خطوط الأساس للدولة والتي يبدأ منها قياس بحرها الإقليمي".  
  • يُقدر  الميل البحر  بـ 1.852 كيلو متر، بحسب المكتب الدولي للأوزان والمقاييس.   
  • أما الجرف القاري لأي دولة فإنه يعني "قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد لما وراء بحرها الإقليمي في جميع أنحاء الامتداد الطبيعي لإقليم الدولة البري وحتى الطرف الخارجي للحافة القارية تحت البحر، أو لمسافة 200 ميل بحري للدولة المقابلة، وفي حالة امتداد الحافة القارية مسافة أبعد يصل الجرف القاري لها إلى 350 ميلًا بحريًا".  
  • قبرص الشمالية: اسمها الرسمي "جمهورية شمال قبرص التركية"، وهي دولة حديثة ظهرت للوجود عام 1975 ولا تعترف بها سوى تركيا، ويسكنها نحو 200 ألف نسمة غالبيتهم من أصول تركية، وعملتها هي الليرة التركية.
إنفوجراف: يوسف أيمن- المنصة

بنود الاتفاق

تتكون مذكرة التفاهم التركية- الليبية، التي وقّعِت في مدينة إسطنبول التركية في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، من ستة بنود؛ تختَص الأولى منها بتحديد "الجرف القاري"، وتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، حيث حُددّت بنقطتين على الخريطة تبدأ من A  وتنتهي عند B، حسب الخريطة التالية الواردة في وثيقة الاتفاق التركي مع حكومة طرابلس الليبية.

 

النقطتين A وB بحسب مذكرة التفاهم التركية- الليبية. الصورة بإذن نشر كتابي لصالح المنصة من نورديك مونيتور 

تبدأ النقطة A من دائرة عرض 26.19 شرقًا، وخط طول 34.16 شمالًا، فيما تم تحديد النقطة B عند دائرة عرض 26.39 شرقًا، و34.09 شمالًا، كما حددنا مواقعها باستخدام خرائط جوجل. 

 

النقطة A كما حددناها باستخدام خرائط جوجل

 

النقطة B كما حددناها باستخدام خرائط جوجل

وحددت مذكرة الاتفاق المعنونة بـ "تحديد الصلاحيات البحرية بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط" الإحداثيات الجغرافية الخاصة بالمنطقة الاقتصادية والجرف القاري، والتي تبدأ من نقاط الأساس لتحديد خط الوسط الذي تتماس عنده حدود البلدين.

 

الإحداثيات الجغرافية للحدود البحرية بين تركيا وليبيا بحسب مذكرة التفاهم. الصورة: بإذن كتابي لصالح المنصة من نورديك مونيتور 

وتُمثل الإحداثيات "دوائر العرض، وخطوط الطول"، الموضحة في الوثيقة أعلاه، حدود المياه الاقتصادية بين تركيا وليبيا، وتُمَثل هذه الحدود بـ18 نقطة، كل منها ممثلَة بخط طول ودائرة عرض.

فمثلًا؛ النقطة الأولى التي تُمثل دائرة عرض 27.22 شرقًا وخط طول 36.40 شمالًا على الساحل التركي، تُقابل النقطة الأولى عند ساحل ليبيا المُمثلة بدائرة عرض 22.27 شرقًا وخط طول 32.50 شمالًا. 

بعد هذه التعريفات الأساسية في الوثيقة؛ تأتي مادة تقديم الاتفاق للتسجيل لدى سكرتارية الأمم المتحدة وفقًا للمادة 102 من ميثاقها، وتختص المادة الرابعة بعقد اتفاقيات مشتركة في حال اكتشاف احتياطات نفط وغاز مستقبلية تمتد في المنطقة الاقتصادية للطرف الآخر (ليبيا في هذه الحالة).

كما حظرت المادة الخامسة من مذكرة الاتفاق، إجراء أي تعديل أو مراجعة للمادة الأولى الخاصة بخرائط المنطقة الاقتصادية والجرف القاري، والمادة الثانية التي تُوضح الخرائط والإحداثيات. وحددت المادة السادسة، دخول المذكرة حيز التنفيذ فور استلام إشعار خطي من الطرفين مفاده إتمام إجراءات اعتمادها عبر القنوات الدبلوماسية وفق الإجراءات القانونية لكل بلد.

وتفرض المادة الأخيرة على الدولتين "التوافق قبل دخول أي منهما في مفاوضات مع دول أخرى لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، إذا كانت تمس هذه المفاوضات الإحداثيات الموضحة في المادة الأولى من المذكرة".

تركيا: نحن هنا من أجل ليبيا

يرى عضو المجلس الاستشاري لمنتدى مصادر الطاقة البحرية التابع لجامعة كوك التركية، سوها تشوبوكوغلو، Süha Çubukçuoğlu، أن "مذكرة التفاهم تُعيد إلى ليبيا مساحتها المفقودة من المنطقة الاقتصادية الخالصة، الواقعة جنوب جزيرة كريت، التي استولت عليها اليونان مدعيةً أنها الجرف القاري لجزيرة كريت". 

 

منطقة ليبيا الاقتصادية الخالصة بحسب الاتفاق الأخير بين تركيا وحكومة السراج في طرابلس

مضيفًا في رده على أسئلة المنصة عبر البريد الإلكتروني "مذكرة التفاهم ستدعم الموقف التركي من الجزر اليونانية الواقعة شرق الوسط الواقع عند خط طول°25 درجة، بما يعني أن جميع الجزر اليونانية شرق هذا الخط مثل رودس، وكاسوس، وكريت ستمدّ مياهها الإقليمية لمسافة 6 أميال بحرية فقط، كما سيكون حجم المنطقة الاقتصادية الخالصة 6 أميال أيضًا؛ وبهذا لن تتعدى اليونان على المناطق الاقتصادية التركية الليبية".

 

ويقول تشوبوكوغلو، إن "اليونان تحاول دفع تركيا للجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، لكن هذا مستبعد من الجانب التركي، الذي يقترح دومًا إجراء مفاوضات ثنائية مع اليونان، مستندًا على القانون العرفي الدولي".

قبرص: لا تراجع ولا استسلام

في مقابل وجهة النظر السابقة، يرى السياسي القبرصي لوكاس فورلاس، عضو البرلمان الأوروبي، أن مذكرة التفاهم التركية الليبية "خالفت القانون الدولي، على اعتبار أنها انتهكت الحقوق السيادية لدول أخرى"، في إشارة إلى قبرص واليونان. 

ويصف في رده للمنصة عبر البريد الإلكتروني، مذكرة التفاهم بـ "إسفين" تحاول تركيا دقه بين المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان وقبرص. وأنه إذا ما مُررِت المذكرة، فإن ذلك يفرض على اليونان وقبرص الحصول على إذن تركي في أي غرض سواء لمرور خط أنابيب أو كابل بحري في المستقبل.

ويقول فورلاس، إن "تركيا قدمت هذه الادعاءات بعد ثبوت وجود احتياطات نفط وغاز في المنطقة البحرية جنوب كريت"، متهمًا تركيا بـ "تشويه الجغرافيا والتلاعب في قانون الأمم المتحدة، وذلك لأنها لا تستطيع المطالبة بادعاءاتها على أسس قانونية". 

وأشار كذلك إلى رفض الاتحاد الأوروبي المذكرة، وأنه لن يسمح بأي نشاط تركي ينتهك الحقوق السيادية لقبرص واليونان، لافتًا إلى أن البرلمان الأوروبي أكد تضامنه مع اليونان وقبرص. 

 

الولاية القضائية لتركيا قبل توقيع الاتفاق الأخير مع حكومة طرابلس الليبية

من جهتها، ترد الدكتورة إيميت غوزغيلي، أستاذ بقسم العلاقات الدولية بجامعة أكدنيز التركية، على النقطة التي أثارها عضو البرلمان الأوروبي قائلة "اتفاقية قانون البحار تُعطي الحق لكل دولة ساحلية عقد اتفاقية ثنائية أو مُتعددة الأطراف"، متابعةً أن إجراءات تركيا وليبيا تمت وفقًا للمادة 83 و74 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبالتالي فإن الاتفاقية التركية الليبية تتوافق مع القانون الدولي. 

ترى غوزغيلي في ردها على أسئلة المنصة عبر البريد الإلكتروني، أن "تركيا وليبيا متقابلتان ساحليًا، وبالتالي لهما الحق في رسم حدودهما البحرية وفقًا للمادة 75 الخاصة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة والمادة 84 من اتفاقية الأمم المتحدة للبحار". 

وتُضيف أن الأمم المتحدة تقبل جميع اتفاقيات الحدود البحرية، وتنشرها متى تم إبرامها من السلطات الشرعية المعترف بها، ويُمكن لتركيا وليبيا التنسيق لنشر اتفاقهما في الأمم المتحدة. 

كان ممثل ليبيا في الأمم المتحدة أرسل مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة يرد فيها على المذكرات المصرية واليونانية والقبرصية بشأن الاتفاقية.

وحول الادعاء بعدم تقابل ساحلي ليبيا وتركيا، تُوضح غوزغيلي أن الاتفاق التركي الليبي يتفق مع مبادئ المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS) مدللة على ذلك بحكم الغرفة الخاصة في المحكمة الدولية لقانون البحار في قضية الحدود البحرية بين كوت ديفوار وغانا.

وتشرح، أن النظام الأساسي لـ ITLOS، ينص على مصطلح الحدود البحرية، لايُمكن أن يثبت وجود حدود بحرية متفق عليها، لأنه ليست أكثر من مجرد خريطة تصور خطًا بطريقة معينة، لأن الحدود البحرية "مختلفة جدًا".

مقارنة بالخريطة السابقة؛ توضح الخريطة التالية شكل المياه الإقليمية التركية بحسب الاتفاق الأخير، وكشف عنها أحد الدبلوماسيين السابقين الأتراك عام 2019.

 

المياه الإقليمية التي تخطط تركيا للاستحواذ عليها طبقًا للاتفاقية الجديدة مع ليبيا. الصورة: سفير تركيا السابق في لبنان

يرد على نقطة النظام الأساسي لـ ITLOS، الدبلوماسي التركي السابق والمعارض لحكومة أردوغان يونس إمري أسيكونول "لا يمكنك الحصول على منطقة بحرية لمجرد أنك تصرفت أولًا، هناك مبادئ في القانون الدولي، وهذا الاتفاق التركي يتناقض معها بشكل صارخ". 

يرى أسكينول في تعليقه على تقرير لمجلة فورين بوليسي، أن "الاتفاق التركي الليبي ينتهك حقوق الدول الأخرى، إذ لا يمكن استثناء الدول المتأثرة من الاتفاقية، وأنه لا يجوز  للأطراف ترسيم الحدود البحرية المتداخلة من جانب واحد". 

ويضيف "كما أن الحكومة الليبية منقسمة بين برلمان في طبرق يُسيطر عليه متمردون وبالتالي لن يُصدق على الاتفاقية. وبدون الموافقة التشريعية؛ لايمكن أن يدخل الاتفاق البحري حيز التنفيذ".

يقول الدبلوماسي التركي السابق، إن المطالبة البحرية المشكوك فيها هي من عمل وزارة الخارجية التركية التي تم تفريغها من معظم خبرائها القانونيين بعد فشل محاولة الإنقلاب في 2016، كما كان هو نفسه أحد المبعدين من الوزارة عقب محاولة الإنقلاب الفاشلة، معتبرًا السياسة التركية بمثابة "انجراف نحو تلبية رغبات أردوغان في تحقيق نصر سياسي". 

يعتقد أسيكونول أن الحل الدبلوماسي هو الأرجح، لأن تركيا واليونان ستخسران في أية عملية قضائية، فاليونان لديها مطالب كثيرة على مقربة من الساحل التركي، فضلًا عن أي حكم قضائي دولي هو بمثابة اعتراف تركي بدولة قبرص، وهو ما يرفضه أردوغان. 

كعكة ليبيا

حددت ليبيا منطقتها الاقتصادية الخالصة في عام 2009، وعقدت اتفاقية مع مالطا وتونس على هذا الأساس، حتى تتمكن من التنقيب والاستكشاف والصيد، لكن ظروف الحرب الأهلية الليبية الدائرة منذ عام 2011 أضعفت بنية الدولة.

أعلنت ليبيا خطوط الأساس البحرية الخاصة بها، في عام 2005، بحسب قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 104، والذي تمت إحالته إلى الأمين العام للأمم المتحدة في أغسطس/آب من العام نفسه.

 

قرار ليبيا بإعلان خطوط الأساس قبل الحرب الأهلية. الصورة: أرشيف الأمم المتحدة

يقول الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال الإيطالي جيان كارلو إيليا فالوري، في مقال بمجلة مودرن دبلوماتيك، ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إن "اليونان استغلت الحرب الأهلية الليبية، واستولت على 39 ألف كيلومتر مربع، بما يُمثل نحو أربعة أضعاف حجم مساحة لبنان، من المنطقة الاقتصادية الليبية الخالصة".

الكعكة الليبية يشبهها الكاتب الأمريكي جورج فريدمان، مؤسس مركز ستراتفور البحثي ورئيسه السابق حتى 2015، بـ "الطفل الذي يسعى الجميع خلف ثروته".

 

إنفوجراف: يوسف أيمن- المنصة

كما يقول عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عادل كرموس، إن أزمة بلاده تكمن في احتياطات النفط التي يتم توظيفها في الصراع الدائر على المستويين المحلي والعالمي. ويتفق معه عضو الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا عثمان بركة، في أن إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا جميعهم يتصارع على كعكة النفط الليبي.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أعلن في يناير/ كانون الثاني الجاري، أن بلاده وليبيا تعملان مع شركات دولية للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط.

وتُقدر ثروة ليبيا النفطية بنحو 48.5 مليار برميل من النفط، هو ما يُعادل نحو 3.76% من الاحتياطي العالمي، فيما يبلغ حجم احتياطها من الغاز الطبيعي 53.5 مليار قدم مكعب، بحسب بيانات منظمة أوابك الصادرة عام 2018.

 

إنفوجراف: يوسف أيمن- المنصة

المتصارعون على الكعكة

في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني، بعد يوم واحد من مذكرة التفاهم التركية الليبية، أصدرت الخارجية المصرية بيانًا اشتركت فيه قبرص واليونان، أدانوا المذكرة، واعتبروها "معدومة الأثر القانوني" لمخالفتها المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات السياسي بشأن ليبيا، والتي تستمد منه حكومة طرابلس الليبية شرعيتها الدولية، على اعتبار أنه لا يحق لرئيس مجلس الوزراء فايز السرّاج عقد اتفاقيات دولية منفردًا.

كما علق وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس ساخرًا أثناء لقاء تلفزيوني على قناة ALpha في ديسمبر/ كانون الأول الماضي على مذكرة التفاهم الليبية "إنه مثل اتفاق فرنسا وكندا على تقسيم المحيط الأطلسي، مُتجاهلين وجود إنجلترا وأيرلندا".

اليونان وقبرص تعتمدان بشكل مباشر على الاتحاد الأوروبي، الذي يبدو في موقف "حرج" أمام تركيا التي تضغط عليه بشكل مباشر بقضية اللاجئين، في حين لم تُعلِن الأمم المتحدة عن موقف واضح، بل اكتفى المُتحدث باسمها فرحان حق، بقوله "نحن نسمع وجهات نظر مختلفة حول شرعية الأمر".

ردود الفعل السريعة هذه لم تُوقف الحكومة التركية عن تفعيل مذكرة التفاهم. ففي 5 ديسمبر 2019 مرر البرلمان التركي الاتفاقية لتدخل حيز التنفيذ في السابع من الشهر نفسه، وبعدها بيوم واحد نشرتها الحكومة الليبية- طرابلس في جريدتها الرسمية.

كما حصلت تركيا على تراخيص من جمهورية شمال شمال قبرص التركية، غير المُعترف بها، من أجل التنقيب على الغاز في بلوك G، جنوبي جزيرة قبرص، بحسب وزير خارجية شمال قبرص قدرت أوزارساي. وكانت مصر اعتبرت هذا انتهاكًا لحقوق جمهورية قبرص، مؤكدة على حقها في استغلال مواردها، وفق بيان صادر عن الخارجية.

ردود الأفعال لكل دولة من هذه الدول، لها تاريخ متوتر مع تركيا، وهو ما نشرحه في فصول المعارك التالية.

 

إنفوجراف: يوسف أيمن- المنصة

المعركة الأولى: تركيا- مصر

في البداية؛ فإن تركيا لا تعترف بالاتفاقية المصرية القبرصية لتحديد المياه الاقتصادية الخالصة التي وقعت في عام 2003، والتي تفاهمت فيها مصر وقبرص على ترسيم الحدود البحرية وفقًا لـ "خط الوسط"، والذي حُدِد بنقاط من 1 إلى 8 وفقًا لقائمة من الإحداثيات الجغرافية.

فمن وجهة نظر تركية، فإنها تُهدر حقوق ما يُطلق عليها "دولة القبارصة الأتراك" الموجودة في شمال قبرص، والتي لا تعترف بها سوى تركيا فقط.

 

خريطة المنطقة الاقتصادية لمصر بحسب اتفاقية ترسيم الحدود المصرية القبرصية 2003

ويفصِل أستاذ القانون الدولي العام بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، الدكتور محمد شوقي العناني، فيما وصفه بالادعاءات التركية، قائلًا "لايجوز لتركيا الاعتراض على الاتفاقية المصرية القبرصية، بالاستناد إلى كونها لم تُوقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما صدّقت مصر عليها عام 1983".

ويُضيف في ندوة عقدت بالجمعية المصرية للقانون الدولي، في فبراير/ شباط 2018 أنه "يمكن لتركيا أن تدفع بعدم مشروعية الاتفاقية المصرية القبرصية في حالتين هما؛ إذا مس الاتفاق مصالح الغير كأن تقتطع الاتفاقية جزءًا من حدود تركيا البحرية، أو إذا كان الاتفاق يُخالف قواعد القانون الدولي".

ويشرح أن "مصر وقبرص وضعتا بندًا في اتفاقية 2003 ينص على أن النقطة الثامنة سيتم مشاركتها مع تركيا، وذلك بنص صريح حتى تم الاتفاق التنفيذي في عام 2013"، وهذا يُبطل الإدعاءات التركية، من وجهة نظره.

 

اللون الأحمر هو الخط الفاصل بين منطقة مصر الاقتصادية الخالصة وقبرص بحسب الاتفاق المصري القبرصي

لكن عضو المجلس الاستشاري لمُنتدى مصادر الطاقة البحرية التابعة لجامعة كوك التركية، سوها تشوبوكوغلو، يرى أنه بإمكان الحكومة المصرية الاستفادة من مذكرة التفاهم التركية- الليبية، متوقعًا أن مصر قد تسترد نحو 21.5 ألف كيلومتر مربع في حال اعتمدت هذه المذكرة. معتبرًا من وجهة نظره أن الحكومة المصرية ستستفيد إذا راجعت اتفاقيتها مع قبرص وعقدت اتفاقًا مضادًا مع تركيا.

ويلفت تشوبوكوغلو إلى أن مصر ليست مُلزمة بالصراع الدائر بين تركيا وقبرص حول تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما.

يتفق جيانكارلو إيليا فالوري، وهو خبير اقتصادي ورجل أعمال إيطالي بارز، مع هذا الطرح التركي، قائلًا "مصر ليست متضررة من مذكرة التفاهم التركية الليبية، لكن في الواقع يمكن استخدامها لإعادة ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة باتجاه البحر اليوناني والجزر اليونانية الجنوبية الشرقية".

ويختم فالوري تحليله المنشور في مجلة مودرن دبلوماتيك "ومع ذلك، صرح السيسي، وهو ليس زعيمًا ساذجًا، بأنه سيتخلى عن حقوق المنطقة الاقتصادية الخالصة على البحر اليوناني وقبرص اليونانية بشكل واضح مقابل الدعم الدولي المُقدم من اليونان، وبشكل غير مباشر من إيطاليا".

 

إنفوجراف: يوسف أيمن- المنصة

المعركة الثانية: تركيا- قبرص

يشرح ضابط المخابرات السابق في البحرية الأمريكية، سكوت ريتر، أن اكتشافات حقلي الغاز ليفياثان (لوثان) في إسرائيل 2015، وحقل ظُهر في مصر 2017، خلقت "سباق استكشافات" للغاز في شرق المتوسط، وهذا جعل من دولة مثل قبرص لاعبًا مهمًا في المنطقة.

يقول ريتر في تحليل منشور على موقع إنرجي إنتلجنس، في ديسمبر 2019، إن تركيا دأبت على الادعاء بضرورة السماح للقبارصة الأتراك في شمال قبرص، بالاستفادة من احتياطات النفط والغاز في المياه الإقليمية لدولة قبرص، حتى إنها هددت باستخدام القوة.  

وبدأت تركيا في التنقيب علنًا عن غاز البحر المتوسط عام 2019، حيث أرسلت 4 سفن للتنقيب قبالة المنطقة التي يُسيطر عليها القبارصة الأتراك في شمال جزيرة قبرص.

ويلفت تحليل سكوت ريتر إلى أن قبرص قسَمت المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية إلى 13 بلوكًا، لكن تركيا ترى أن قبرص ليس لها الحق في جرف قاري باعتبارها جزيرة، وأنها بذلك تنتهك حقوق الجرف القاري التركي، مضيفًا أن أنقرة طالبت بأجزاء من البلوكات رقم "1 و3 و4 و6 و7" من المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية.

ما تعتبره تركيا حقًا اقتصاديًا لها، فرضته بالقوة العسكرية في فبراير/ شباط 2018، عندما اعترضت إحدى بوارجها الحربية سفينة حفر تابعة لشركة إيني الإيطالية كانت تُجري أبحاثًا في منطقة اقتصادية تتبع دولة قبرص، وأجبرتها على مغادرة الموقع، فضلًا عن إجراءها سلسلة من المناورات البحرية الضخمة قبالة سواحل قبرص لتأكيد الهيمنة. 

 

خطوط الأساس القبرصية - مأخوذة من أرشيف الأمم المتحدة

ويُضيف ضابط المخابرات الأمريكية السابق في مقاله التحليلي، أن تركيا "أرهبت" شركتي إيني وتوتال الفرنسية عند محاولة استكشافهما البلوك رقم 7 في منطقة قبرص، إذ أرسلت سفينة حفر خاصة بها إلى البلوك رافقتها سفينتان حربيتان، وأنه عندما أرسلت فرنسا فرقاطة عسكرية لمياه بلوك رقم 7 كجزء من مناوراتها مع قبرص، ردت تركيا بإرسال طائرة دون طيار إلى شمال قبرص، وفي ديسمبر 2018، اعترضت تركيا أيضًا سفينة أبحاث إسرائيلية في مياه قبرص.

ويرى سكوت أن صفقة تركيا وليبيا ستُغير خريطة المناطق الاقتصادية الخالصة، وستُعيد ترسيم الحدود في الجرف القاري بشرق المتوسط، قائلًا في تحليله "بضربة واحدة اخترقت تركيا دول منتدى غاز شرق المتوسط، وعطلّت اتفاقيات الاستكشاف المشترك المتوقعة بين مصر واليونان وقبرص".

 

إنفوجراف: يوسف أيمن- المنصة

المعركة الثالثة: تركيا- اليونان

يشرح مستشار في الشؤون الخارجية، ومنسق الأطلس الجيوسياسي للأماكن البحرية في الاتحاد الأوروبي، ديديه أورتولاند، الصراع بين تركيا واليونان في بحر إيجة، أن جزر بحر إيجة قٌسّمت بين البلدين عبر اتفاقيتي لوزان 1923 ومعاهدة باريس 1947 وبدا الوضع مستقرًا نسبيًا؛ ومنطقيًا كانت لليونان السيطرة على جميع جزر بحرة إيجة، لكن تطور اتفاقيات البحار، أزعجت هذا الاستقرار النسبي.

يقول الأكاديمي والباحث في دراسة له ضمن مشروع الدفاع الوطني والأمن الأوروبي، على موقع  DIPLOWEB، منشورة في أبريل/نيسان 2009 "تنتشر الجزر اليونانية كقطع متناثرة في بحر إيجة، حتى تكاد تُلامس ساحل تركيا لاسيما جزر يسبوس، وخيوس، وكوس، ورودس، وساموس، وكاستيلوريزو" والأخيرة تقع على مسافة 1300 متر فقط من الساحل التركي.

 

الولاية القضائية لليونان على مياه بحر إيجة. الصورة: موقع Marin region  

ومنذ العام 1936، مدّت اليونان سيادتها الإقليمية على مسافة 6 أميال بحرية، مما أعطاها السيطرة على نسبة 43.5% من بحر إيجة، بينما لا تُمثل المياه الإقليمية التركية سوى 7.5% فقط، بحسب أورتولاند، مضيفًا أنه في حال وصلت المياه الإقليمية للبلدين مسافة 12 ميلاً بحريًا، ستسيطر اليونان على 71.5%، وتركيا 8.7% فقط، واعتبار نسبة 19.7% مياه دولية.

وفي حال مدت اليونان منطقتها الاقتصادية الخالصة، ستخضع نسبة 19.7% لسلطة أثينا، مما يفسر وضع تركيا المضغوط تجاه قانون الأمم المتحدة للبحار، وفقًا لمنسق الأطلس الجيوساسي، موضحًا أنه في هذه الحالة ستُفرض قيود على السفن والغواصات العسكرية التركية، إضافة لخضوع السفن البحرية التركية القادمة من البوسفور أو أزمير للتفتيش من السلطات اليونانية.

ويُلخص أورتولاند الصراع قائلًا "تمنح اتفاقية الجرف القاري اليونان الحق في الولاية القضائية على جزء كبير من مياه بحر إيجة، الذي سيتم تعيين حدوده بين البلدين باستخدام قاعدة خط الوسط مما يمنح كل جزيرة في بحر إيجة جرفًا قاريًا خاصًا بها".

لكن تركيا تدفع بأن "الجزر اليونانية ليس لها ولاية قضائية على الجرف القاري، باعتبار أن هذه الجزر تقع على الجرف القاري التركي، مستندةً على أن الظروف الخاصة المذكورة في اتفاقية الجرف القاري (المادة 6-2) تُبرر في هذه الحالة عدم تطبيق خط الوسط"، بحسب منسق الأطلس الجيوسياسي.

هدف كل الأطراف: طرد تركيا

تُرجع باحثة القانون التركية في جامعة السوربون، أحسن أكاديمير، أسباب الإعلان عن مذكرة التفاهم التركية الليبية إلى قرار جميع الدول طرد تركيا من مناطق تنقيب الغاز والنفط في مياه المتوسط، واستبعادها من منتدى غاز شرق المتوسط.

تقول الباحثة في تحليل لها منشور على موقع نيو تركيا المهتم بتحليل السياسات التركية، إن "تركيا تحاول منع دول المعارضة (تقصد قبرص واليونان ومصر)، من استبعادها من كعكة البحر المتوسط، والدفاع عن حقوق دولة شمال قبرص التركية ضد الأعمال غير القانونية، التي اتخذتها جمهورية قبرص". وتتفق أكاديمير في أن مذكرة التفاهم، أعادت رسم حدود شرق المتوسط، وستُعزز موقف تركيا في المفاوضات من أجل إعادة توزيع احتياطات الغاز والنفط في منطقة شرق المتوسط.

بهذه الصفقة البحرية مع ليبيا، لم يعد لتركيا حلفاء في منطقة البحر المتوسط، إذ تُحاول أنقرة بشكل أحادي ترسيخ مكانتها في مياه المتوسط، على حساب علاقات متوترة مع مصر واليونان وقبرص.

قبل يومين؛ أعلنت فرنسا إرسالها مدمرة بحرية لمساندة اليونان في وجه الفرقاطات التركية في شرق المتوسط العائم على بحر من الغاز الطبيعي. يبدو هذا الخبر وكأنه مقدمة لنوع التطورات الخشنة المقبلة بين تركيا من جانب، ودول المتوسط في الجانب المقابل.


* ينشر هذا التحقيق بالتعاون مع صندوق دعم التحقيقات في شمال أفريقيا وغرب آسيا.