مظاهرة في سان فرانسيسكو في الذكرى الخامسة للحرب على العراق عام 2003- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

ذاكرة قديمة ممتلئة: عصور القلق والأمل المستحيل

أثناء حرب العراق (2003)، على عتبة الألفية الجديدة، التي لأول مرة، أذيعت وقائعها على الهواء مباشرة، كأننا نجلس أمام فيلم نعرف نهايته جيدا، عشنا أيامًا عصيبة، جراء المتابعة اليومية المستمرة، على الهواء مباشرة، للقصف الجوي، وتوهج نور القنابل فوق بغداد، وأرقام القتلى التي أخذت تتسارع في عدَّاد الحرب، ومعها يتصاعد الشعور بالضيق واليأس والعجز.

لم يبق، أمامنا، جمهور المتفرجين، إلا انتظار المعجزة، أكثر من أي وقت مضى، ليس أن تنجح ديكتاتورية صدام، ولكن أن تُهزم هذه الآلة العسكرية الجبارة التي تقصف العراق يوميًا بهذه الكثافة أمام أعيننا، بل وتشركنا معها في الفعل، حتى ولو بالفرجة، في هذا النوع الجديد من الذنب الجمعي، الذي شاركت الميديا الحديثة في صناعته، من هذا التناقض المستحيل في المشاعر والأمنيات، تكونت في نفوسنا، مادة المستحيل، والأمل، والمعجزة، معًا.

ربما كانت مشاعري/ مشاعرنا، ضد حتمية التاريخ، التي تجسدت في هذا القصف، ولكنها المرة الأولى التي أصادف فيها موقفًا شعوريًا بهذه الكثافة والحدة والتناقض، موقفًا لا يفيد فيه الرأي والانحياز فقط، كونه يتلاعب بأساسيات الوجود الإنساني، في تمييز علاقة الحق بالقوة. خلال هذه الأيام تسلل حزننا وكمدنا الشديدان، سدى، بين شقوق وثنايا مصالح تاريخية، ربما سابقة على وجودنا التاريخي نفسه، وتبدت في هذا الشكل العبثي والمفرط في ممارسة واستخدام القوة. لأول مرة أرى هذا التاريخ وحتميته، خارج حالات الموت الشخصي، وجها لوجه.

وصلت لذروة نفسية في قدرتي على تحمل مشاهد "فيلم القصف". استقبلنا الألفية الجديدة بكسرِة نفس عميقة، ورغبة شديدة في إنهاء هذه الحرب بأي شكل، وبأي وضع، وبأي ثمن، حتى لو كان وضعًا ظالمًا، أو ثمنًا باهظًا، حتى يتوقف هذا الجنون الذي أدخل الإحساس بالألم والقهر الذاتي، في مستوى جديد تمامًا علينا، لم نعد معه يمكننا أن نتعرف على أنفسنا. بالطبع كان الخيار المثالي الذي يحفظنا من "كسرة النفس" هذه، أن يُهزم صدام وديكتاتوريته، وفي الوقت نفسه لا تنتصر القوى الغازية، وهو افتراض مستحيل. يبدو أن أي أزمة كنا نمر بها في منطقتنا، في الألفية الجديدة، قد وصلت لطريق مسدود، لمكان اللا عودة، فكان هذا "المستحيل"، و"المعجزة"، وتقبل الخسارة، بالنسبة لنا كمشاهدين لفيلم الحرب؛ الحل، والمكان الآمن شعوريًا.

اعتقدت وقتها أن جزءًا في نفسي، الذي يختص بالتعاطف مع هذا النوع من القضايا الكبرى، قد مات، أو تبلد، أو أصبح لا مباليًا، بسبب وصولي لذروة تشبع في احتمال الألم أو صوره، وأيضا وصولي لذروة الإحساس بقلة حيلتي وعجزي. مع تصاعد العنف، ومع التمسك بطلب المعجزة المستحيلة، أصبحت ذواتنا رهينة هذا الاحتراق الثنائي، لم يبق أمامها إلا الهرب أو القفز من المركب، حتى لا تحترق هي نفسها. كان الرماد عاملًا مشتركًا في كل حالات التماهي الجماعية، بجانب المستحيل، والمعجزة، حتى الفرحة التي تلت نهاية هذه الحرب، والتي أبداها بعضنا، وسقوط بغداد، حتى هذه الفرحة تكونت على أنقاض حزن وقلة حيلة، دفينين، فبعد الوصول للذروة، تبدأ مرحلة الخسوف، والمقايضات النفسية الخاسرة، تتحرر طاقة سعادة مزيفة، وسط هذه الخسارة، سببها النجاة المتوهمة. ربما حدث تحول ما داخلنا، انسلخ إنسان من إنسان، في علاقتنا بالأمل والمستحيل والنجاة والتعاطف.


كيف تحولت حرب الخليج وغيرها إلى خبر كاذب: معلومات مش أكيدة


للأسف لم تكن الذروة الأخيرة، أو الحرب الأخيرة، كانت "ذروة" ضمن حفل استقبال الألفية الجديدة لنا. يبدو أن هناك أزمات تاريخية كانت عالقة داخل الألفية التي ودعناها، وأمامنا وقت ممتد لنسدد ديونها في ألفيتنا الجديدة. اعتقدت أنني لن أتأثر مرة أخرى، كوني اكتسبت مناعة ذاتية، وتغيرت توقعاتي، وأصبحت مؤمنًا بـ"الحتمية التاريخية"، في أكثر صورها غطرسة، وبطريقتها الجديدة في تزييف العالم. لكن يبدو أن هناك جزءًا، داخلنا، يتجدد، ويزهر، ولا يموت، في علاقته بالأمل والمستحيل والمعجزة، وأيضا بالألم؛ ينتظر أي مستحيل جديد ليتأثر به، ويتفاعل معه. يبدو أن هذا الجزء الوجودي لايتبلور بهذا الشكل وبهذه القوة، إلا في حضور المستحيل، والمعجزة، وهي الوجه الآخر للمستحيل. في الوقت نفسه، لا يظهر هذا المستحيل بهذه القوة والمثالية، إلا في حضور قضايا أو حروب غير متكافئة.

قبل ضرب بغداد، بدأ الإحساس بهذه "الذروة النفسية" مع الانتفاضة الفلسطينية، في بداية الألفية. تنشط الذات كل مرة لتختبر قدرتها على تحمل مشهد عبثي آخر، وغير متكافئ، تبحث داخلها وخارجها، عن مستوى أقصى لمفهوم الذروة، تتمدد وتغير من جوهرها لتتعايش مع قسوة الحتمية التاريخية، التي تمارس عليها ومن حولها.

تظهر أحداث حرب لبنان عام 2006، والاجتياح الإسرائيلي للجنوب، والقصف المتواصل لبيروت. تتحول هذه الأحداث إلى قضايا شخصية، بمعنى ذاتية الألم والذنب، معا، مثلما حدث في الحرب على بغداد وفلسطين، ومن قبلها حرب 67، وحرب فيتنام، في أجيال أخرى سبقتنا، ووضعت، هذه الأجيال، أساسات أهرامات المستحيل والمعجزة والأمل، والألم، والذنب، وربما ساهمت أيضًا في وضع أساس هرم "التناقض" الذي يطل برأسه ويفرض نفسه عند أي مواجهة مع حتمية تاريخية، ربما لأنه يريد، بحسن نية، أن ينتصر لمفهوم الحق الفردي، ويهدم نفسه، ويصفي مفهوم التناقض، وتتوقف معه عجلة التاريخ.

ربما هناك علاقة غير متكافئة، نرى بها العالم من مكاننا النفسي والجغرافي. هناك قسوة وجبروت حتمية تاريخية نواجهها، وجها لوجه، فقط، بيقظة داخلية. بالطبع ميزان غير عادل، وربما بسبب هذا يولد المستحيل، والمعجزة، والأمل والألم والذنب، وجميعها مفردات ذاتية، كوننا أفرادًا يواجهون تاريخًا.

والدتي، يرحمها الله، المولودة عام 1921، التي كانت تشاهد معي على الهواء سقوط وضرب بغداد، كانت تتفرج بمناعة ذاتية، وبأمل مفقود، ومستحيل قديم لم يفقد صلاحيته بعد. الذروة بالنسبة لجيلها، التي استنفدت طاقة الأمل عندها، وجعلت الأشياء تتساوى؛ ترجع لعام 1948، عندما هُزمت الجيوش العربية، وما تلاها من قيام لدولة إسرائيل. كانت في السابعة والعشرين وقتها، وتتتبع على الخريطة، التي علقتها في غرفتها، تصاعد الأمل وتقدم الجيوش العربية لهزيمة العصابات التي احتلت فلسطين، ثم مجيء الهدنة وبعدها، تغير الوضع تماما، واتخذ الأمل مسارًا عكسيًا، وانتصرت العصابات. أتخيل تماما كسرة النفس التي عاشتها وعاشها جيلها، امتلأت النفس بسائل ما حتى فاضت، كانت نقطة تحول حاسمة، في علاقتها بالأمل وبالحياة ككل. طوال حياتها التي تلت هذه اللحظة الفارقة، لن تنسى هذا الأمل المحترق، الذي تدخل بقوة في صياغة نظرتها للحياة، ووضعها في الحد الأدنى من التوقع في كل شيء: زيرو أمل.

يقوى الرمز عند معاينة الانتصار، ولكنه رمز يقف وراءه دم كثير، ربما نكسب في ساحة الرمز، ولكنه لا يكفي لأبرر هذا القدر من الدمار، والذنب الجماعي.

أنام وأحلم خلال الشهور الماضية، بنهر النيل، أتابع يوما بيوم تفاصيل ما يجري، متنقلًا من فيديو لآخر، ومن يوتيوبر لآخر، أفتش في صفحات الأصدقاء المتخصصين في الموضوع، بحثًا عن هذه الثغرة، التي يعبر منها الأمل. أرى الأمر مساسًا بجزء وجودي في حياتنا، وحياتي الشخصية، ليس فقط في حاجتنا الماسة له، ولكنه جزء من شخصيتنا الذي نعبر خلاله لننظر للناحية الأخرى من الحياة. يستيقظ هذا الجزء النفسي القديم، بكل ما يحمله من شعور بخطر يهدد الجماعة، أشعر بانقباض من تفاصيل هذه القضية، والغموض الذي يدور حولها، وتصريحات المسئولين، والبرامج الحوارية التي تستضيف أطراف القضية. أتشمم رائحة الاحتراق الذاتي، من جديد، وتزداد الرغبة في الخروج بأي شكل من هذا المأزق النفسي. تأتي مرحلة تقبل الخسائر، أمسك في نفسي بهذا الخيط الذي يمتد بين "ذرى" عديدة يربط بينها خيط المعجزة، وفقد الأمل.

أنسحب للنوم وكلي شعور بالخوف، تنتظرني كوابيس نهر النيل، بجانب كوابيس الكورونا، في أحدها، كان النهر جافا عند نقطة مررنا منها كثيرًا في المنيا، أنظر إلى هذا الشق الجاف، لأعبر منه مترجلًا للناحية الأخرى، كما عبر سيدنا موسى من قبل.

تظهر في الوقت نفسه صور الحرب على غزة، وأنقاض الأبراج المهدمة، والبنات الصغيرات يتسلقنها بحثًا عن ألعابهن المفقودة التي لم تمت، لأنها لعبة ليست من لحم ودم. أخريات في القدس، في حي الشيخ جراح يُسحلن على الأرض، من طرف جنود الاحتلال، ولكن في هذا الوضع المهين يرفسن سيقان هؤلاء الجنود بقوة. يقوى الرمز عند معاينة الانتصار، ولكنه رمز يقف وراءه دم كثير، ربما نكسب في ساحة الرمز، ولكنه لا يكفي لأبرر هذا القدر من الدمار، والذنب الجماعي، ولكنها أيضًا حتمية تاريخية جديدة: الرمز أمام القوة، والموت مقابل الحياة، والكل يعقد رهانه على المستقبل، ينمو الرمز ليتحول إلى مادة، وتنمو رءوس الضحايا ليشهدوا الظلم وهو يتحول إلى عدل.

أريد أن يشفطني جسد أو زمن آخر، وأتخطى هذه الحياة بقفزة واسعة. هل هي عصور قلق صاف، أم هي استمرار لتحولات عصور سابقة قلقة، ولكن لاشك هناك طفرة نوعية نلحظها في كل شيء، في طرق الحياة وفي مشاعرنا، وفي عنف الألم وعبثيته، لا يوجد أفق لما يحدث، سيسيل كل شيء مع مرور الزمن، ويأخذ أشكاله، التي ستتحور بطريقتها، وتبعا لحتمياتها. نعيش قلقًا بلا ضفاف، كما كان قلق مابين الحربين العالميتين، وهوة اليأس التي سقط فيها الكثيرون في العالم مثل هيرمان هيسه، الكاتب السويسري من أصل ألماني، الذي كتب عن هذا القلق الوجودي الذي عاشته أجيال مابين الحربين. ربما داخل هذا القلق كان يتشكل المستقبل، ويمنح القلق ثقة وإنتاجية ما، أما الآن فربما القلق أمسى عدميًا، ليس له سقف، يطير كالدخان بلا رجعة.

هل هناك ذاكرة جديدة تنتظرنا بعد الانتهاء من هذه العصور القلقة والسائلة والتائهة، حتى يحدث الانفصال، في النهاية، بيننا وبين ذاكرتنا القديمة الممتلئة بالإحساس بالذنب، ليس بسبب قفزات التقدم، وسرعته، وعولمته، ولكن بسبب الموت، أي موت الذاكرة، لتقطع علاقتها بالماضي، كي تعيش؟