تصميم: يوسف أيمن - المنصة

غير المسبوق أصبح عاديًا: التغير المناخي يأكل على موائدنا

يسير عدد من الأشخاص عبر صحراء قاحلة، سيتبين لاحقًا أن ما يبدو أرضًا جرداء هي حوض نهر بارانا في الأرجنتين، ثاني أكبر حوض نهري في أمريكا اللاتينية بعد الأمازون، ولكنها تتعرض لموجة جفاف هي الأسوأ منذ ربع قرن، بسبب التغيرات المناخية.

ينبع نهر بارانا من رافدين في البرازيل، ويبلغ طوله نحو 4 آلاف و498 كيلومترًا، ويمر بجنوب البرازيل إلى باراجواي ثم الأرجنتين، ليصب في النهاية في المحيط الأطلسي.

تتعرض المنطقة لموجة من الجفاف هي الأسوأ منذ عام 1994، انخفض منسوب النهر إلى أدنى مستوىً له خلال 80 عاما، وعندما تزيد كميات المياه المستخدمة في أعالي النهر بالبرازيل، يضرب الجفاف مناطق واسعة في جنوب البرازيل وباراجواي وشمال الأرجنتين.


ما يحدث الآن ليس طبيعيًا، ولكن أيضًا ليس من المتوقع أن تتحسن الظروف خلال الفترة القصيرة المقبلة، حيث تتوقع وزارة الأشغال العامة في الأرجنتين أن يستمر نقص معدلات الأمطار لثلاثة أشهر أخرى على الأقل.

أتلف الجفاف مساحات شاسعة من المحاصيل، وكبّد المزارعين ومصدري الحبوب تكاليف إضافية تقدر بحوالي 315 مليون دولار وفقا لوكالة أنباء رويترز. بالإضافة إلى ذلك، يؤدي نقص المياه في النهر إلى أن تقلل السفن التي تعبر النهر من حجم حمولتها من الحبوب، ما يعني أن ترتفع تكاليف النقل، وفي النهاية لن تصل الحبوب إلى الأسواق بأسعار مناسبة، الأمر الذي دفع الحكومة في الأرجنتين إلى زيادة الدعم المخصص لنقل الحبوب بمبلغ 10.4 مليون دولار. وكالعادة، سيضطر المستهلكون في النهاية إلى سداد هذه الفواتير.

جفاف مناطق واسعة في حوض نهر بارانا مثال لما يمكن أن نطلق عليه "الوضع الطبيعي الجديد" (The new normal). ويبدو أن عبارة "غير مسبوق" هي أفضل تعبير لوصف الأحداث المناخية المتطرفة هذا العام؛ حيث تتعرض سلال الغذاء الرئيسية في العالم لآثار ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، وتؤدي موجات الجفاف الشديدة، وتزامنها، إلى المزيد من حرائق الغابات، والفيضانات أيضا هذا العام غير مسبوقة.

وبينما تعاني منطقة بارانا من الجفاف، تعرضت منطقة "ماوناس" في حوض الأمازون بالبرازيل في شهر يونيو/ حزيران الماضي إلى أمطار غزيرة وفيضانات غير مسبوقة.

بشكل عام، أدى تغيّر المناخ الناتج عن النشاط البشري إلى زيادة حدة ووتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، تضرب موجات الحرارة والجفاف والحرائق والفيضانات مناطق مختلفة من العالم، من غرب الولايات المتحدة الأمريكية إلى البرازيل والأرجنتين، إلى روسيا والهند والفلبين، وألمانيا وبلجيكا، والجزائر وتونس واليونان وتركيا وغيرها، وتؤثر الظروف الجوية المتطرفة وموجات الطقس السيئ في مناطق مختلفة من الأرض كل عام.

طعامنا في خطر

في 22 يوليو/ تموز الماضي، سجلت منطقة النويصيب في محافظة الأحمدي بالكويت، درجات حرارة بلغت 53.2 درجة مئوية وفقا لبيانات هيئة الأرصاد الجوية العالمية، وسجلت بعض المناطق في العراق وإيران المجاورتين درجات حرارة قريبة. وفي تركيا، حيث التهمت حرائق الغابات آلاف الأفدنة، وقتلت آلافًا من الماشية، كسرت درجات الحرارة أرقامها القياسية مثلما حدث في أيرلندا الشمالية وشمال اليابان. وتعرضت موسكو لموجة حرارة تاريخية في يونيو، حيث ارتفعت درجات الحرارة إلى 34 درجة مئوية، وهي درجة حرارة لم تسجّل خلال 120 عاما وفقا لموقع مونجاباي.

وفي منتصف يوليو الماضي، تعرضت مقاطعة هينان الصينية، وهي واحدة من أكثر مناطق البلاد اكتظاظًا بالسكان، لأمطار غزيرة خلال ثلاثة أيام فقط، تعادل ما كانت تتعرض له خلال عام كامل، بمعدل 640 ملليمتر، وهي ظاهرة لم تحدث في الألف عام الماضية. أثر الفيضان على حوالي 972 ألف هكتار (2.4 مليون فدان) من الأراضي الزراعية، ولقي ما لا يقل عن 71 شخصًا مصرعهم، واضطر 1.4 مليون شخص لمغادرة مساكنهم. ومع أن الكثير من المحاصيل في المنطقة كان قد تم حصادها قبل الفيضان، إلا أن معالجة وتخزين ونقل وتصنيع الحبوب الصيفية يمكن أن تتأثر بسبب الفيضانات، بحسب نفس الموقع.

وفي أواخر يوليو، شهدت أجزاء من الهند أمطارا بمعدل 594 ملليمتر في أيام قليلة، وغمرت الأمطار الغزيرة مانيلا والمقاطعات النائية في الفلبين، ما تسبب في تلف المحاصيل وعمليات إجلاء جماعية واسعة للسكان.

موسم الأمطار في الهند. صورة برخصة المشاع الإبداعي من ويكيميديا

وحطمت موجات الحرارة والجفاف الأرقام القياسية في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، من جنوب كاليفورنيا، إلى نيفادا وأوريجون. من المؤكد أن هذا الجفاف الشديد يمثل خبرًا سيئًا لعشاق المعكرونة في أمريكا والعالم، حيث تعتبر كاليفورنيا أكبر مزرعة للطماطم في العالم، وتنتج وحدها أكثر من 90% من الطماطم المعلبة في الولايات المتحدة و 33% من الإمدادات العالمية.

كما ساهم الجفاف في الغرب في تهيئة الظروف المثالية لفقس بيض الجراد وزيادة أعداده، ومن ثم فقدان المحاصيل. في الوقت نفسه، هناك 91 حريقًا مستعرًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ما أدى إلى تدمير النظم البيئية والبنية التحتية في عدد من المناطق. حتى الآن التهمت الحرائق حوالي ثلاثة ملايين فدان ولم ينته موسم الحرائق بعد، بينما احتراق 2.1 مليون فدانا فقط خلال نفس الفترة من العام الماضي، وفقا لموقع مونجاباي وموقع خدمة الأخبار البيئية جريست.

في الوقت الذي تقترب فيه أسعار المواد الغذائية بالفعل من أعلى مستوياتها منذ عقد تقريبًا، تواصل الظروف المناخية المتطرفة ضرب المحاصيل في جميع أنحاء العالم، والقائمة طويلة؛ روسيا، وهي منتج رئيسي للقمح، وسلة خبز عالمية أخرى، تعاني من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، وتراجعت التوقعات السنوية لمحصول القمح هذا العام، ما قد يؤدي إلى زيادة أسعاره. وأدت الفيضانات في المنطقة الرئيسية لتربية وإنتاج لحوم الخنازير في الصين، إلى زيادة مخاطر الإصابة بالأمراض البيطرية. وتثير الأمطار الغزيرة والفيضانات في ألمانيا وبلجيكا وهولندا مخاوف من انتشار أمراض النبات والآفات في الحبوب. وتتعرض الحبوب والماشية للخطر بسبب الجفاف الشديد في السهول المرتفعة على طول الحدود بين الولايات المتحدة وكندا.

ويعاني المزارعون ومربو الماشية في غرب الولايات المتحدة من الحرائق، وآثارها السلبية على السلع الزراعية، ومن زيادة قيمة أقساط التأمين ضد الحرائق زيادة هائلة هذا العام. وبحسب موقع خدمة الأخبار البيئية جريست فقد أحدث هذا الاتجاه لزيادة فواتير التأمين ضد الحرائق صدمات عبر المناطق الزراعية في كاليفورنيا، فمعدلات التأمين الباهظة قد تجعل من الزراعة استثمارًا محفوفًا بالمخاطر، وقد تدفع بعض المزارع إلى التوقف عن العمل، وفي الحد الأدنى، سوف تؤدي إلى ارتفاع أسعار الحاصلات الزراعية ومنتجاتها الصناعية.

البرازيل هي واحدة من أكبر الدول المصدرة للسلع والحاصلات الزراعية، فهي أكبر مصدر لفول الصويا والسكر والبرتقال في العالم، ويثير الجفاف الحالي مخاوف من نقص متوقع في محصول الذرة لهذا العام، وتشهد بعض مناطق زراعة البن أبرد طقس فيها منذ ربع قرن، ففي 29 يوليو الماضي تساقطت الثلوج على بعض المناطق، ومن المتوقع أن يتضرر محصول البن هذا العام، وأن ترتفع أسعاره، ويمكن أن تتضرر زراعات أخرى، حسبما نقلت شبكة بلومبرج عن مايكل شيريدان، وهو مدير شركة أمريكية لتجارة البن قوله إن "ما يحدث في البرازيل يؤثر على الجميع" وإنه "لا يوجد بلد آخر له مثل هذه القدرة على التأثير في الأسواق العالمية".

ومن البرازيل إلى مدغشقر التي تشهد تفاقمًا لأكبر أزمة الغذاء منذ سنوات، إذ يعاني جنوب الجزيرة من أسوأ موجة جفاف منذ أربعة عقود. وفقا للمدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي "دفعت موجات الجفاف المتتالية سكان الجنوب إلى حافة المجاعة" وأكثر من مليون من سكان الجزيرة لا يحصلون على طعام كاف وآمن ومغذ. وفقا لموقع فيوتشر دايركشنز إنترناشيونال الإسترالي.

كما عاني القرن الإفريقي واليمن في العام الماضي من أكبر غزو لأسراب الجراد الصحراوي منذ ربع قرن. في إثيوبيا وحدها، فقد أكثر من 356 ألف طن من الحبوب بسبب الجراد، ما أدى إلى معاناة مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي.

ارتفاعات جديدة

وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه حساب التكاليف الكلية للخسائر المترتبة على الظروف المناخية المتطرفة، إلا أن تزامن هذه الظواهر، واتساع نطاقها، يعني أخبارا سيئة لإمدادات الغذاء وأسعارها، ومن المتوقع أن يشهد العالم في الأشهر القليلة القادمة ارتفاعات كبيرة في أسعار كل شيء تقريبا؛ من الطماطم إلى القمح إلى البن واللحم البقري.

أدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى اضطرابات سياسية واجتماعية في كثير من البلدان، بما فيها تلك البلدان التي يتم فيها قمع المعارضة بشدة. كان ارتفاع أسعار الغذاء، الذي نجم جزئيا عن موجة الجفاف التي ضربت الشرق الأوسط في الفترة من 2006 إلى 2009، عاملًا رئيسيًا وراء الاضطرابات التي انتشرت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2011 وأدت إلى الربيع العربي.

ففي يوليو الماضي، خرج المتظاهرون في جنوب غرب إيران إلى الشوارع، مرددين شعارات مناهضة للنظام، ومطالبين بمزيد من المياه للشرب وري الأراضي الزراعية وسقيا ماشيتهم. وخرجت مظاهرات المطالبين بالطعام في مدغشقر.


اقرأ أيضًا: تحيا مصر : في "كراتين" التصحر الغذائي

عربة فاكهة خالية بأحد شوارع القاهرة - صقر النور - المنصة

ويحذر تقرير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) من أن الأزمة قد تتفاقم في السنوات المقبلة، حتى في المناطق التي لم تتأثر حتى الآن، أو في تلك التي تستفيد حاليا من ارتفاع الأسعار. يقول التقرير إننا في حاجة ماسة إلى تغيير جذري في أنماط الإنتاج والاستهلاك الزراعي على مستوى الكوكب، تغيير كبير يشمل العمليات والسلوكيات على جميع المستويات؛ الأفراد، والمجتمعات، والأعمال التجارية، والمؤسسات، والحكومات. يجب أن نغير طريقة حياتنا واستهلاكنا".

ويؤدي تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، وزيادة حدتها، واتساع نطاقها الجغرافي، إلى تعريض الموائل الطبيعية للحشرات والحيوانات والأسماك والطيور لمخاطر تقلبات المناخ، وتهدد بتدمير النظم الإيكولوجية عموما، كما يؤدي إلى زيادة وتيرة حرائق الغابات.

كما ينتج عن ارتفاع درجات حرارة المحيطات إلى ابيضاض الشعاب المرجانية، وتغيير أنماط توزيع الأنواع الحية البحرية، وتقليص الحد الأقصى لأجسام الأنواع التي تعيش في المياه الدافئة. التغير في أنماط هطول الأمطار وذوبان الثلوج أو الجليد يؤدي إلى زيادة إجهاد الموارد المائية، وانخفاض جودة المياه، ويضعف النظم الإيكولوجية. والتغيرات في درجات حرارة الهواء، والأنماط الموسمية للرياح، تؤديان إلى تغييرات في مواسم تكاثر الكائنات الحية، وأعمارها الافتراضية، وتحولات في أنماط الهجرة، وتزايد معدلات موت الأشجار في بعض المناطق.

لا يمكن التعامل مع انقراض الأنواع ونقص التنوع البيولوجي على الأرض بمعزل عن تغير المناخ، فتغير المناخ ليس مجرد فارق طفيف في الأنماط المناخية، فهو يودي بحياة حوالي 150 الف شخص سنويا، ومن المتوقع أن يؤدي إلى إنقراض حوالي 20% من الأنواع الحية البرية بحلول منتصف القرن الجاري، وأن يكون سببا رئيسيا في وفاة أكثر من 83 مليونا عند نهاية القرن الجاري وفقا لصحيفة ذي هيل وموقع ناشيونال جيوغرافيك. ينبغي التعامل مع تغير المناخ ونقص التنوع البيولوجي كمتلازمين، لأنه إذا ما سمح لدرجة حرارة الأرض أن ترتفع، بست أو سبع درجات مئوية، قد تفقد الأرض قدرتها على توفير الظروف المناسبة للحياة، للكثير من الأنواع الحية، وسترتفع نسبة الأنواع المعرضة للانقراض إلى 30% خلال القرن الجاري.

لذلك تحذر مسودة تقرير اللجنة المعنية بتغير المناخ من أن "الحياة على الأرض يمكن أن تتعافى، من خلال التطور إلى أنواع جديدة، وإنشاء أنظمة بيئية جديدة، لكن البشر، قد لا يستطيعون".

لا يبدو أن أزمة المناخ في طريقها للتراجع، بل تستمر الأوضاع في التدهور، وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية الصادرة في أغسطس الماضي، إلى أن العالم سجل "أعلى مستويات إنتاج لثاني أكسيد الكربون في تاريخ البشرية" هذا العام.

أثر التغيرات المناخية، المباشرة وغير المباشرة، لن يتوقف عند مشاهد السائرين في حوض نهر بارانا الجاف في الأرجنتين، لكنها ستمتد إلى الملايين في مختلف دول العالم، الذين سيؤثر عليهم نقص الغذاء وارتفاع أسعاره، خصوصا في تلك الدول التي تعتمد على إستيراد السلع والحاصلات الزراعية الأساسية مثل مصر. في كثير من دول العالم، قد تتضافر الآثار المباشرة وغير المباشرة للتغيرات المناخية، مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية للجائحة، لتزيد من احتمالات تفاقم الأزمة واتساعها.

وإذا أردنا تجنب الجوع والاضطرابات وعدم الاستقرار، فيتوجب على الحكومات حتى في الدول الفقيرة أن تضمن الإغاثة الغذائية الضرورية لكافة المتضررين، وأن تستمع إلى نصيحة كارلوس ميرا المحلل في مجموعة رابو بانك المصرفية الهولندية عندما قال لصحيفة فاينانشيال تايمز إن "ارتفاع أسعار الغذاء هو آخر ما تحتاجه الحكومات في الوقت الراهن".