تصميم: يوسف أيمن - المنصة

الست رضوى: أو مقاومة الغربة بذكر الأحباب

1

كخمس قطط صغيرة نتسلل تحت جنح الظلام في الشوارع الخلفية، تتشابك أيدينا لنلتمس الدفء في ليلة باردة من ليالي نوفمبر الأكثر قسوة على الإطلاق بالنسبة لجيلنا، بينما تتناهى إلينا من بعيد أصوات الهتاف والقصف وقرع المتظاهرين على العلب المعدنية وأعمدة الانارة الذي يقابله صوت سارينة عربات الأمن المركزي. ذلك المزيج من الأصوات الذي رافق أحلامي لسنوات.

تتأرجح مشاعرنا بين البهجة للقاء المرتقب مع السيدة الجليلة من جهة، والقلق على رفاق الميدان والخوف من شائعة تنتشر عن عملاء للأمن منتشرين في الشوارع الخلفية لوسط البلد، يقال إنهم يقومون بالقبض على السائرين والتحقيق معهم وربما إرسالهم لأمن الدولة.

تقترح سمية اقتراحًا يبدو غريبًا؛ "يلا نغني" أنظر إليها متعجبة من غرابة الاقتراح وأسألها "نغني؟". فتجيبني: "آه .. يلا".

يرتفع صوتها بالصهبجية، فلم تجد النغمة ترددًا في أرواحنا. فتقول "طيب أغنية تانية"، لأجيبها "شبابيك"

يعلو صوتنا بالغناء هازمًا الخوف والوحشة، مؤازرًا للرفاق المرابطين في محمد محمود.



2

لم تبدأ الأحداث في تلك الليلة وإنما قبلها بشهر تقريبًا، في جمعة من تلك الجمع التي كنا نجتمع فيها في ميدان التحرير لنهتف هتافًا لأحد المطالب التي جمعتنا الثورة عليها. ربما في ذلك اليوم من أيام أكتوبر/ تشرين الأول 2011 كنت أهتف للدستور أو للانتخابات أو لمدنية الدولة، لا أتذكر تمامًا. كل ما أذكره أن الهتاف أنهكني فابتعدت قليلًا مع بعض الصديقات حتى تمثال عمر مكرم، لأجدها أمامي؛ الدكتورة رضوى عاشور، السيدة الجليلة بنفسها كانت معنا، تهتف كما نهتف، وتطالب بما كنا نطالب به. ثم تبتعد لترتاح قليلًا كما ابتعدنا.

التففنا حولها لنتعرف إليها، وبروح معلمة وأم وقفت وأفردت لكل منا وقتًا. كانت تسأل عنا وعما ندرس وعما نعمل.

وقتها عرضت عليها فكرة المشروع الذي كان يتكون في عقلي في تلك الأيام، مشروع كتاب يجمع شهادات لثوار من كل محافظة من محافظات مصر. انتبهَتْ لما أقول لثوانٍ قليلة ثم قالت لي "ده مشروع مهم. أحب أتابع شغلك عليه".

تبادلنا أرقام الهاتف ووعدتها بالاتصال.

ومن هنا يمكننا أن نبدأ.


3

كانت البداية في صحن دارها. أختار ذلك التعبير عمدًا وليس صدفةً أو لعبًا باللغة. صحن الدار تعبير قديم يدل على غرفة الاستقبال في البيوت العربية التراثية. وبيتها كان عربيًا أصيلًا.

تدخل فتقابلك باحة فسيحة مؤسسة على الطراز العربي. سقف مرتفع مشغول بحليات من العروق الخشبية، مقاعد من الأرابيسك المطعم بالصدف، وعشرات قطع الديكور المنتقاة بعناية، بذوق امرأة عربية أصيلة تدرك عروبتها وتفخر بها. تتحرك عيناي بين قطع الأثاث والديكور فلا تقاطعني حتى أعود إليها ببصري، لتسألني، حينها، عن مشروعي وما أنجزته.

أخبرها أن الهدف من المشروع هو جمع شهادات الثوار. فتعطيني الدرس الأول عن تحقيق الشهادات ومطابقتها. تقول لي "عليك أولًا بدراسة الحدث بشكل تقريري محايد، ومعرفة تفاصيله الرئيسية. ثم عليك قراءة وسماع شهادات حاضريه ومعاصريه. طابقي الشهادات مع الأخبار الواردة عن الحدث. ضمي الشهادات التي تطابق الحدث للمشروع واستبعدي الشهادات المخالفة".

كان هذا الدرس الأول الذي تعلمته.

وبدأنا العمل معًا في جلسات أسبوعية تتم في بيتها، لا يقطعها إلا مرضها أو فترة تعافيها بعد إجراء إحدى العمليات الجراحية إثر مرضها الأخير.

اعتدت دخول البيت لكن لم تفارقني الدهشة. في كل زيارة كنت أكتشف شيئًا جديدًا. الطاجين المغربي بشكله المخروطي المميز ونقوشه العربية رأيته لأول مرة في بيتها. وقفت أتأمله ولمسته خلسة فحاوطتني ابتسامتها ولمسني الحنين في صوتها وهي تقول "نقدم فيه الكسكس المغربي في اللقاءات العائلية، أعده حينما يكون تميم في البيت".

في البيت لم تكن رضوى عاشور الدكتورة عالمة اللغة والأدب، بل كانت الأم وكانت السيدة التي تعاني الشوق، وتقاوم الغربة بذكر الأحباب.

لمست أنها كانت تحب الطهي، مطبخها مليء بالمونة العربية؛ زيت وزيتون من فلسطين. وأعشاب للشاي ومخللات وكبيس، بالإضافة إلى أدوات طهي تراثية يغلب عليها الطابع العربي. تحدثني عن الأكلات الفلسطينية التي تعلمتها من عائلة مريد وعن الأكلات الأندلسية التي قرأت عنها في رحلتها لكتابة رواية غرناطة فيزيد حبي لها وتعلقي بها.

أجلس أمامها بانبهار تلميذة بمعلمتها. تقول لي "راجعت النصوص التي أرسلتها إليَّ وطبعتها لأعدل شيئًا وأناقشك فيه". استعد لسماع ملحوظة جديدة في الكتابة أو التحرير. لكنها تفاجئني بملحوظة في إحدى قواعد اللغة العربية. أستمع بإنصات وتركيز. وأضيف درسًا جديدًا لحصيلتي اللغوية.

في لقاء آخر يستقبلني "حنظلة" عند مدخل الدار. الشخصية الأيقونية التي رسمها ناجي العلي لطفل يركض نحو الشمس.

كانت اللوحة أصلية معلقة في برواز، وحنظلة راكض نحو الشمس بوردة في يده. أقف أمامها وأنا لا أصدق أنني أرى لوحة أصلية لناجي العلي. أسألها لأتأكد "أصلية؟" فتجيبني "نعم. رسمها ناجي لتميم".

أنظر إلى عود يحتل كرسيًا بساحة الدار .. فتقول إنه لتميم يعزف عليه عندما يكون هنا وتعبر ابتسامتها المحيط لترد على سؤال لم أسأله وتخبرني أنه الآن في أمريكا.

كان كل شيء في البيت يتمحور حول تميم، حول حضوره وغيابه، زياراته القصيرة وشوقها الدائم إليه. أستطيع أن أتفهم هذا وأشعر به.

في البيت لم تكن رضوى عاشور الدكتورة عالمة اللغة والأدب، بل كانت الأم وكانت السيدة التي تعاني الشوق، وتقاوم الغربة بذكر الأحباب.

أجلس أمامها فتحدثني عن الغياب. عن غياب مريد عنها، عن غيابها عن مصر، عن غياب تميم عن مريد، عن غياب تميم عنها. أخجل من نفسي أنا التي يحيط بي أحبابي في كل لحظة وأشتكي الغربة.


4

أعود لتلك الليلة التي تسللنا فيها إلى بيتها.

كنت بصحبة الأصدقاء سمية ربيع وشادي عبد العزيز وأحمد جمال سعد الدين وسلمى صلاح، واتصلت بي لتراجع معي فصلًا من فصول الكتاب. أجبتها أنني بقربها ومعي بعض من الأصدقاء الذين شاركوا بشهاداتهم ونصوصهم في الكتاب. كنت أقولها على استحياء علها تتفضل وتدعونا لزيارتها. لم اطلب الزيارة لعلمي بظروفها الصحية. لكنها لمحت الطلب الذي لم أجرؤ عليه. فدعتنا بكرم.

جلسنا كقطط صغيرة تلتمس الدفء فاستضافتنا ومريد بقلب مفتوح. نفتح نقاشًا وراء نقاش لا نريد أن نرحل ولا نريد لليوم أن ينتهي. توزع علينا لوحات منسوخة لناجي العلي ولوحات لبرهان الدين كركوتلي عن فلسطين والقدس. ثم تحدثنا عن حبها للرسم وعن متحف اللوفر وعن الجرنيكا والحرب الأسبانية. تحدثنا عن أنها لا تنسى وجهًا رأته وأنها قد تسافر من مدينة إلى أخرى فقط لتزور متحفًا أو تشاهد لوحة جديدة.

يتفرع الحديث ويتشعب، وتتعاقب أكواب الشاي والسجائر، فتسألنا عن أهم الكتّاب الجدد الذين نقرأ لهم هذه الأيام فأجيبها بأني أحب هاروكي موراكامي وأقول لها ربما ترين بعد كل قراءاتك أن أدبه من نوعية الـ Pop Art وأنه ربما لن يضيف لك جديدًا فتقول لي إنه على الكاتب أن يطالع كل الثقافات ولا يجب عليه أن يبني برجًا ويعيش في قمته.

أبتسم عندما يمر ببالي خاطر طفولي يدفعني لأن أرشح لها Twilight وأحكي لها كيف قدمت ستيفاني ماير ثورة في مفهوم مصاصي الدماء.

تباغتنا دقة الساعة الحادية عشرة مساءً فندرك أن وقت الرحيل حان.


5

عندما أراد الله أن يعلمني درسًا جعلني أقابلها للمرة الأولى في يوم عيد ميلادي الثلاثين. ضحكت وقلت لها إن هذه أجمل هدية تلقيتها في عيد ميلادي.

وعندما سألتني عن عملي قلت لها لقد كبرت ولا أستطيع أن أتحمل عملًا بدوام منتظم. نظرت في عيني بجدية وقالت لي "بصي لي.. أنا عندي 63 سنة وبخرج وبروح الجامعة وبدي محاضرات وبشرف على رسايل جامعية. لما كان عندي 30 سنة كنت بهد الدنيا وأبنيها".

في أبريل/ نيسان 2012 صدر كتاب يوميات الغضب عن دار الحياة للنشر والتوزيع بمشاركة كل من أحمد جمال سعد الدين وأحمد جمعة وأحمد عادل الفقي وأحمد علي وأحمد كامل وآية عبد الحكيم، وخلود عيسى شعبان وسمية ربيع وشادي عبد العزيز وعمرو عز الدين، ومحمد أبو الغيط ومحمد عيسى شعبان ومصطفى رزق، وملكة بدر ومنة الله محيي ومي فتحي وهبة عبد العليم.

أجلس أمامها أطلب توقيعها على نسختي من الكتاب وأقول لها "لولا وجودك ودعمك يمكن ماكنتش كملت المشروع ده". فتربت على يدي بحنو وتقول "إنتي شاطرة ومجتهدة وهاتعملي حاجات كويسة كتير. لسه العمر قدامك".

ثم رحلت رضوى. توفيت السيدة الجليلة في 30 نوفمبر 2014 قبل أن أخبرها أني هدمت كل ما حولي لأعيد بناءه من جديد، ودون أن أتمكن من حضور مراسم تشييعها حيث خرجت من بيتي أسير بلا جدوى في الشوارع حتى أنهكني السير فجلست على رصيف ما أبكي، إلى أن هبط المساء.